الناقد التشكيلي عادل كامل

في تجارب زينب عبد الكريم .. فضاءات الباث وحدود النص

 

عادل كامل :

في نصوص زينب عبد الكريم تتقلص المسافة بين الرسم والنحت ، وبين فنون اخرى تتوحد لتشكيل خطابها الرمزي – الجمالي في الاخير وعلى الرغم من اهتمامها بالتجارب الحديثة ، واشتعالها على الحذف فأنها لا تخفي تاملاتها لاقدم الفنون ، فهى تبقى تحافظ على عوامل مساعدة طيفية لا تنفصل عن البناء الجديد . فالفنانة لا تجعل من المغامرة هدفا مستقلا . بدعة وانما تتقص ، امام الخامات وقوى البث ونظام التعبير مدى العلاقة مع الوجود انما لا تعبثر اسئلتها ولا تتوقف عندها بل تجعل الكيف يتضمن القلق العميق لظاهرة الفن . وكلما ابتعدت زينب عبد الكريم عن الماضي السحيق والذاكرة البصرية المحفورة فوق الصخور والمخطوطات القديمة تكتشف انها امام مشكلات فنية جديرة بالمعالجة … فهل تغيرت الاسئلة ام تغيرت طرق المعالجة ام هناك ، في المدى الابعد قضايا تولد توا ، ولكنها تبقى متصلة بدوافعها : الحساحية او بنية عمل الحواس ، قبل ان تتشكل الدوافع النفعية تلك البنية التوليدية غير المنغلقة ولكن التي لا تذهب الى المجهول فالوعي الذي يجعل زينب في رقابة لاعمالها يدفعها لمثل هذه الموازنة . او للمعادل الجمالي بين عمل الحواس ظظظظن ووظائف الفن ، مع انها تحاول ان تحافظ على الرهافة والشفافية والعبث او اللعب العميق للدوافع الذاتية الداخلية ، فانها ستمنح البناء لهمية لا تنفصل عن الخبرة الفنية وقواعد الفن عبر التاريخ فزينب عبد الكريم لا ترسم بدوافع عاطفية وانما تجعل من العاطفة ،بل ومن الموسيقى والشعر والاحلام ، الجانب المحرك – والمتحرك –داخل نصوصها فهى لاتغادر دوافع الصمت او كلام الصمت الذي ستجعله اكثر تعاليا ورمزية فلا احد يعرف ماذا اراد الانسان الاول من الرسم مع ان كافة الاحتمالات جديرة بالتحليل ولا احد يعرف لماذا ما زال الرسم له حضور متواصل ان الفنانة تتمسك بالطيف الداخلي الذي لا يسكن اعمالها . العاطفة المرهفة او التاملات الشاردة وهي توسع من جغرافية مساحة النص بل ترسم بخبرة فنية لا تترك المركز مستقبلا عن المحيط بل ترسم بهما معا عبر وحدة النص ولكن ليس لكي لا تجتاز الاسئلة بل لتجعل النص اكثر صلة بحساسية المتلقي ، اقل تقيدا بالتاويل فالانشغال الجمالي الاكثر صلة بدحض الوظائف ومنها المباشرة يعيد صياغة ذاكرة النص ، فالفنانة تستذكر بلا شعورها او بدوافعها حريتها الشفافة ، خلاصات واشارات وعلامات فنية تنتمي الى ازمنة مختلفة وتجارب متعددة .. فهي لا تكف عن الحفر في المتحف السومري ، في الحضارات المتعاقبة كما لا تغادر فعل السحر التشبيهي ، ورمزية اللاوعي، مع تامل للفعل البدائي ،البكر، او الذي يولد بعيدا عن التلوث …الخ ، كل هذا يتشكل عبر وعيها التصميمي للنص حيث تنصهر المرجعيات مع عملها بجعل النص منفتحا فثمة المتلقي الذي علية هو الاخر ان يفكك وحدات النص ،ولكن لاعادة صياغتها بما تحمله من اطياف غير مرئية ان هذه الخاصية لا تنطبق على تجارب رائدة في حداثة القرن الماضي ، بل ترجعنا الى كل نص لا يعلن مايريد .. فالمعنى لم يعد ظاهرا .. وانما لا ينفصل عن طريقة الاداء المشاهد من غير استجابة لهذا المخفي داخل المعنى ، لن يرى الاقشور البصلة حتى يختفي الجوهر بعد ان يتم تشتيت وتمزيق القشور بيد ان الرسامة ترسم باحترام عنيد لاسلافها ، انها لا تحاكي ولا تستنسخ ، بل تنسخ فهي ترسم بدلا ان تدحض الر سم ، ليس بفعل دراستها . وانما لانها تحافظ على حساسية الرسم ذلك التواصل لتاريخ يمتد داخل انقطاعاتة لان زينب لاتنحاز لحداثة هابطة من العدم بل لتاريخ متشعب ومتعدد فهى تنصص بفعل تلمسها لروح الرسم – ان جاز التعبير – لان الطيف يبقى اشارة لمجاز يتقاطع مع الاسطورة ، ولكنه لا يندمج مع الوظائففالرسامة ترسم حداثتها ، متلمسة عالمها الداخلي ، وهي تتقدم في فضاءات غير مجهولة ، فلماذا الرسم – مثلا سؤال لايمكن فصله عن سر وجود الرسم ولكن زينب ستواصل اداء طقوس الرسم ،بعوامل زمنها وكيانها ، لتواصل حذف واضافة كل ما سيشكل تماسك نصها ، لنركز على الانسجام داخل النص ، انه يعبر عن حذف متواصل لعناصر التصادم وللاختلافات ، فالانسجام يصير كمينا ،لكنه لصالح التعبير فالفنانة توازن بين الاشكال العضوية والهندسية وبين القسوة والمرونة بين الملمس الرقيق والحاد ، بين السكون والحركة … الخ ، وهو الذي لا يقفز ضد الرسم بل الذي يمتد معه ، في عصر لم تعد الحداثات منسجمة او متجانسة ، في عصرها الحالي على الامل فزينب تتقرب كثيرا من نصوصها لتعبر البصري ، فمساحة اللوحة تبقى بؤرة للتراكم وثمرة تحولات وتعديلات بيد ان المجال البصري ، يبقى يحمل محركاته وصخبه وضجاته كعلاقة موضوعية مع عناصر اللوحة ، فهل قلت ماذا تريد ان تقول الرسامة ، ام انها بمنح الحواس درجة الرمز في التعبير والاختزال الدائم للاشكال ، دمجت الاداء بالدوافع ؟ معا ، ان كانت تكتم ما هو عصي علي الايضاح ، او اعلان اعقد التدخلات والانكار بصورة مباشرة ورمزية صريحة كتكرار الابواب والنوافذ او تحوبر المناخ الاسطوري الي علامات وايماءات، فانها تواجه مصيرها بحلول ليست محددة او عابرة انها تمكث في اكثر الاسئلة اثارة على اكتشاف تنوع طرق الرسم : الدمج بالنحت بل استعارة مرجعيات وتوحيدها ببنية متنوعة الرموز وعبر فضاء لا ينغلق على ذاته ، لان هذا التوحد لعناصر متجاورة ورمزية يؤدي للتوقف عند الاختزال والتفكير بما تم حذفة ، او دمجه ،درجة جعل التجريد لا يؤدي الاما كان متصلا عبر تاريخ الرسم الطويل انه ليس اسطورة الرسم او اسطورة الانسان نفسه وانما كما غدا مرئيا – وسحريا – وجذبا بلا اسباب فثمة حركة او انفجارات او مرور اطياف او ومضات …الخ ، تعلن عن بثها وكانها تتسلل بخفة مرور اللامحدود عبر مساحة اللوحة ، لتلتقي : 1- داخل خيال الرسامة وذاكرتها ، 2- لتصبح عند المتلقي ،مساحة بلا حدود 3- بعد ان امسكت الفنانة بهاجس المرور ، او اجتياز الطيف من ماض بلا حافات نحو فضاءات بلا حدود ، عبر هذا الاشتباك المكون للنص ، في لحظة جمالية ،ذهنية حدسية ، تكاد تكون قد قالت كل ما تريد بثه ، امام اندثارات وتفكيكات تشكل جوهر النص ، فالبصري – في هذا السياق – اخفى اصوات الذاكرة ولم يعد منحازا لمجهول يتدحرج في خفاياه … انه اصبح يبث داخل النبض والحواس امامنا ، لانه يمتلك وهم الطيف وكثافته في الوجود ، اليس الرسم عند زينب عبد الكريم ،مثل الموسيقى ، كلاهما لا يكفان عن بلوغ المستحيل..