الناقد التشكيلي حسن عبد الحميد

اليد بما يمليه العقل وتحلق به المخيلة

 

حسن عبدالحميد

لعل أبهى مشكلة تواجه الفنان في معترك بحثه عن ذاته المبدعة هي تلك التي تتعلق بقدرة معرفته عما يميزه عن غيره، حيث تكون هذه المشكلة ـ بتضافر عدة عوامل ـ غاية امتاعية ـ في أصعب وانبل غاياتها لمن يروم التداني والاقتراب من آثار وتوجعات هذا الهم الانساني الخالص الذي يلخص مراد ذلك البحث قدحا في حصى الامثال لتوضيح جدل وأهمية تلك العلاقة من خلال الاقتناع

 

والتأكيد على ان ما يهمّ ويمتع شخصا معينا  قد لا يهم أو يمتع الآخر بالضرورة، وقس على منوال ذلك. خلاصة أهمية البحث عن الفرادة بتآخي وتآزر مقومات نفسية وملكات انسانية ـ ابداعية تفرض هيمنتها ـ صدقا ـ في تقليب اوراق تلك المعرفة والنزعات السامية التي جعلت من الانسان كائنا متفردا عن غيره  مهما تشابه أو اقترب من ذلك..

فعلم نفس السلوك الفردي وعلم نفس الخواص يحسم امر كل من يراوده الشك ويجبره الفضول على المعرفة والفحص والتأكد عبر دراسات وتجارب هائلة في مجال علم نفس الابداع.. وان ما يقاس على السلوك عامة يقاس ـ ايضا ـ في مجال الفن احد أهم دعائم القياس التنويري في فهم دواخل النفس البشرية، مضافاً اليه ابعادا جمالية غايتها التباهي بسمة وجوهر الاكتشاف تواصلا وإرثا وتاريخا تراكميا في محافل الجهد الانساني والحضاري معا.
ما يقوّم مهارات وتشبثات مثل هذه الاستهلالات المعرفية جهود ونواتج بعض التجارب القريبة منا ومن انجازاتها لتعطي أمثلة شاخصة تساند كل هذه الاجراءات النقدية والمتابعات في مجمل مرامي وغايات البحث التشكيلي في العراق كونه مجالا حيويا وثراً ومتميزا جدا في نسيج وبنيان الثقافة ـ عندنا ـ وما انجازات الفنانة (زينب عبد الكريم علي) إلا تمهيد آخر يضاف الى سلسلة تجارب ناشدناها عبر تجاوبات (الصباح) الجريدة في تبني لغة التشكيل عنوانا ثقافيا وابداعيا يداور حلقات وجوده مع مكونات الثقافة عموما ويسيّج بالوعي مقدرات أهمية المعرفة البصرية في وجدان وذائقة الانسان المتطلع لحياة أوسع ومديات أشمل في فضاءات الوجود.
اليد بما يمليه العقل وما تجود به المخيلة من تحليقات كونها السلطان المطلق  للتفاني والابداع تأخذ بأفكار ورصيد الذاكرة الطرّية وبتطلعات الفنانة التشكيلية (زينب عبد الكريم) تولد ـ بغداد 1972 ـ دبلوم فنون جميلة ـ فرع الرسم 1992 بكالوريوس من كلية الفنون الجميلة ـ فرع الرسم ايضا 1995 نحو متون رحلة بحثها عن وجود فكري/ فلسفي ميز مسارها الفني عن غيرها من التجارب ليس فقط على صعيد جنسها من كونها امرأة، بل عموم مجريات ومجسات التقييم والمعاينة والفحص لواقع الحركة التشكيلية الراهنة، ولكي نكمل صياغة معتقدات هذه الطروحات بما يناسب انجازات (زينب) لا بدّ من التذكير بجملة من المعارض الشخصية التي زادت عن الاربعة فضلا عن مشاركات في اغلب المهرجانات والمعارض داخل العراق وخارجه.. القاء محاضرات في معهد الفنون الجميلة للبنين 2003 ـ 2004.. ادارة قاعة الواسطي في وزارة الثقافة.. مسؤولة ارشيف موسوعة الفن العراقي التي تنطلق من وزارة الثقافة. مشاركات فاعلة في معرض التخطيط في فنلندا وآخر عن الكرافيك في بولونيا 1992.. معرض الفن العراقي في باكستان / عمان/ بيروت/ 2001.. معرض في باريس / قاعة المدينة الجامعية  2001 وآخر في باريس ايضا مؤسسة ايزيس 2001 ومعرض اقامه المنتدى العراقي ـ الهولندي 2004 فيما حصلت (زينب عبد الكريم) على جوائز وشهادات منها جائزة الابداع للشباب وزارة الثقافة 2000.. الجائزة الثانية في مهرجان بابل 2001.. جائزة مسابقة فن الملصق في معرض الفن يصنع الحياة وتم تنفيذه بهيئة لوحات (فلكس) في شوارع بغداد 2003 وغيرها مما فاتني ذكره في السيرة الفنية لهذه الفنانة الدؤوبة المبدعة باقرار واعجاب واشادة من رموز الحركة التشكيلية بوعيها الحاضر محمد مهر الدين/ نوري الراوي/ عبد الجبار البنّاء/ د. نجم عبد حيدر. وآخرون كتبوا في سجل منجزها ما يشيد ويثني بجهدها وملكاتها وصدقها وانسانيتها العالية وانتمائها النوعي لقيمة وقداسة الفن في صنع الحياة.. كان لا بدّ من اطلالة كهذه تنير الدرب مجددا في العودة لتقييم تجربتها الناضجة بموضوعاتها ومعرفتها واسلوبها الخاص في طرح ما تريد وتصبو وهي تدعم وجودها بالجديد والمغاير للسائد في ارض ليست سهلة اطلاقا كانت قد حرثت فيها تجارب كبيرة عبر مكونات وتاريخ التشكيل، قبلها واستطاعت إحكام غلق تلك الابواب في خلاصات الوعي والمحصول البصري، أعني تلك التجارب التي زينّت جيد الرسم والنحت العراقي منذ أزمنة خلت.. أشرت من قبل الى رحلة البحث على متن وجود فكري ـ فلسفي يصب ـ حتما ـ في وعاء الاهتمام بالانساني متفردا عن سواه لتداني (زينب عبدالكريم) فكرة الصعود والارتقاء وجلاء تنوع البناء الضمني لديها في السيطرة والاحكام من مجرد خط أولي شاحب الى حيث توالت عناصر وموجودات ومواد اللوحة التي تنشئها توحدا صوفيا، لينبري العمل الفني بالتعبير عن ذاته وفق منظومة الهدم والبناء.. التفكيك والتركيب ليبقى سائبا، متحركا، نابضا رغم سكونية اللوحة من  نهجها الفيزياوي عبر تضافر ادائي ومحمولات نفسية فلسفية تمنح العمل طاقة التعبير عن نفسه.. اذ لا مركز يحدد او يحد من نشاط الحركة وكسر الرتابة بالايقاع الداخلي الهائم بجلال تنامي الافعال والعلاقات بتجاورات حسية وحدسية تبرهن على دأب وقدرة الفنانة في خلق موجوداتها الخاصة رغم  عمومية وجودها في حياتنا.. السلم (مثلا) قاسم مشترك يتبارى بوجوده في سماء لوحات (زينب) غير انه يتسلق افكارنا ويحمي تطلعاتنا من حماقة ورتابة المألوفية والتكرار الى حيث سطوع الفكرة والارتقاء بالافكار والرؤى والمعاني وكل ما ينتج عن مصفوفات وتداخل هذه القيم الراسخة في قواميس المعرفة الحقة، فيما يثمر اجتهاد هذه الفنانة على اختصار المسافة ما بين الرسم والنحت، حتى كأنك تشعر بلوحاتها تتخذ من (الريليف) النحت البارز سبيلا في انشاء وترجمة مكونات وخزائن وعيها البصري من دون الانهماك بالتحاكي أو استنساخ الواقع مجردا بعفوية زائدة تقصي عنه سمة الاهتمام التي تغري مواهب الرسم الكبيرة والحقيقية في رسم وخلق تجاربها من مسببات ذلك الواقع بفضل وعي وتراكم تطلعات المخيلة في صنع احلامها… السلم، اعني السلالم.. الأبواب.. والنوافذ أضحت من ممتلكات (زينب عبدالكريم) كونها تناولتها كموضوعات فلسفية ـ استقرائية لا مجرد اشكال او استشارات وجدانية محضة بعد ان استطاعت اقصاءها من علل الخدمة الوظيفية والاستمالية في ترميز ضمني متماسك من نواحي الاجتهاد المعرفي وسلامة التعبير والبناء الفني لنسيج اللوحة وقدرتها على احداث تشابك واختلالات بين عتبات السلالم التي تغادر أحيانا قضبان اللوحة في واحدة من أمهر مهارات هذه الفنانة التي تدفع بها الافكار وتنويعات التفكير الحر المدعوم بوعي مقارب للنقد والمشاركة والاسهام في اطلاق سهام الاسئلة كمقومات اجرائية، بروح وعقل المعرفة في تبني الرسم، تخطيطاً ونحتاً وألواناً، وسيطا ناجحاً، حيث تجسد ذلك في اكتنازات (زينب) لافكارها وذكائها الفني عبر مداليل العمل كموجه ومصدر يفضي لايجاد مساحة تعبيره، وليس      ـ فقط ـ التجاوب مع مقومات ونسب الجمال (الاستطيقا) على اعتباره علما وصفيا وليس معياريا بواحدة من خلاصات التوصيل، بل ليمتد أبعد من ذلك كما شاءت وأرادت الفنانة في مجمل معارضها ومشاركاتها واجتراح افكارها بمواضيع عمقت من لغة العمق لديها وهي تتملى وحداتها اكثر توحدا وخشية من الأعالي.. الأعالي التي ترادف الشعر والاحلام والتطلعات، يقينا من انه ليس ثمة ارتفاع بلا عمق… عمق يوازي إلحاح حاجتنا لفهم وتنوير يوازي هو الآخر سعادة ومتعة الاثنين معا… أجنحة الارتفاع واحجار العمق في قرارة المحيط.. او ربما قدرة المعاني على ارتداء وتلبس الكلمات، هذا تصريف ضمني لمقولة (الجرجاني) باغتت مقالي هذا كان يريد بها قول ( (المعنى تلبس الكلمات) او قول (الجاحظ) الذي يرى في المعنى لفظ الروح أو ـ لا أذكر من قال ـ (اذا لم تكتب اليد فهي رجل) استحداثات فلسفية لنواتج وامور عقلية معرفية توحد صنوف بحثنا عن  مقتربات بلاغية تلامس وترى جوهر الموضوعات والاشياء بمجهر الفن الصافي للرؤى والافكار المبتكرة بلغة التأمل وملكة الخيال المفتوح وهو يكون أبرز ملامح وسمات هذه التجربة الذائبة بعمق ووعي المغايرة المسؤولة بحثا عن مشاركة فعالة وتميز ملحوظ لغيرها من التجارب التي لم تزل تضرب بمعولها اشجار الاجترار ومحدودية الرؤية بمرقاب تقليد الآخر او الانحسار في أطر التجريب المكبلة بقيود عدم التفريق بين ضرورات وجودها ومسببات البحث والحفر في دواخل الذات بحثا عن الذات المبدعة والخلاقة في أرقى وأبهى محاولات تأكيد وجودها الكياني والنفسي والمعرفي كما تجاوبت (زينب عبدالكريم) بشفافية ورهافة وقوة ما ترسم مقابل تماثل وعيها بشيء من الطفولة واللعب المبرر مع موهبتها في وقت مبكر وتمام حرصها ودقتها في نحت تجربتها وهي تجعل اللوحة متحركة.. ناطقة.. بليغة وهي في أصدق حالات سكونها