الناقد التشكيلي د.فائز الحمداني

الفنانة التشكيلية زينب عبد الكريم
رموز الطفولة في العلاقة بين التابع والمتبوع

ناقد تشكيلي
فائز يعقوب الحمداني من بين مميزات الفن العراقي المعاصر، ان الفنان يعيش في اعماله غربة عن كل ما يحيطه والوانه غالبا اسيرة طيف لوني متوحد وحتي التنوع اللوني علي قماشته محكوم بسيطرة الشاخص المهيمن بما يشبه الاقصاء المتعمد. ان اعمال الفنان العراقي تفرض نفسها دوما نمطا رافضا للمحيط، من خلال عالمين لونيين متقاطعين او منفصلين غير متماهيين وكانهما تمثيل لقطيعة الفنان عن عالمه. علي خلاف الفنان الغربي المعاصر الذي يؤدي التنوع اللوني في لوحاته دورا في التقاء كل الاطياف علي قماشته وكأن روح القماشة تشف لتعكس وحدة الحياة. ان الفنان الغربي المعاصر لا يعيش هذه الازمة مع محيطه من الناحية التعبيرية فلوحاته تعكس توحدا مع المحيط، والمتلقي يدرك دائما ان لون الفنان لا يفرض نفسه بايقاع متغلب علي اعماله.
ان الابتعاد عن المباشرة سمة فنية بارزة في الاداء التشكيلي المعاصر محليا وعالميا ولكن تبقي الاعمال الفنية الغربية تحتفظ بميزة ابقاء وعي المتلقي الجمالي متواصلا معها من خلال عناصر الاثارة اوالبهجة، انها تجاهد لتصل اليه ولو باشد الوسائل غرابة اما الفنان العراقي فهو يعيش ازمة التواصل مع المتلقي ولا يرضي ان يعيش تحت جحيم نديته العقيمة.
لماذا تحيلنا اعمال الفنانين العراقيين المعاصرين الي الاحساس بازمة ما وتتقاطع مع عالمنا عنها؟ هل يواجه رفض المجتمع الشرقي لفنه ، فيجاهد ليكون وحده في لوحته شاخصا متفردا من خلال لون متغلب او رمز يمت لخصوصيته بصلة وثيقة.؟
ربما تمنحنا اعمال زينب عبد الكريم بعض الاجابة. ان المتلقي يواجه اعمال زينب بتصور ان العالم عبارة عن حيز مكرس لرمز ولاشيء غير ذلك وما يظهر علي سطح الحياة الا صدي له، فالمتلقي هنا امام خطاب متعال لرموز متوحدة خشنة تمارس تمردا علي السطح الصقيل وان كان من المرجح ان هذه الخشونة هي تمرد اخر تمارسه زينب علي رموزها ذاتها وربما كانت زينب معنية بما تسقطه علي رموزها اكثر من دلالتها علي سطح القماشة، وبالتالي فان مفتاح عالم زينب عبد الكريم لا يتمثل من خلال الباب او السلم او النافذة والتي يبدو انها تمارس ضغطا علي عالم طفولتها، بل ان مفتاح لوحات زينب هو ما تمارسه علي هذه الرموز من تطويع وتشويه لفضاءاتها الخارجية والداخلية، في تمرد طفولي.
ان زينب تنظر الي رموزها من خلال شاشة طفولية متموجة ومن خلال منح اشكال رموزها ملمسا خشنا علي خلاف الملمس الذي تمنحه للارضية. ان في اعمالها قطيعة تتحرك ضمن مستويين الاول هو مستوي اقصاء كل ما يشتت التركيز علي الرمز من مفردات الحياة مما يجعل حياة لوحاتها موحشة وباردة، والمستوي الثاني من خلال الاشتغال علي الرمز بطريقة مشاكسة. انها تكتفي في مجمل لوحاتها باقتناص رمز ما، وبعيدا عن المتلقي تعمل علي توجيهه وتطويعه لتقدمه فيما بعد الينا كحقيقة لونية وتعبيرية واثقة غير معنية بسؤالنا وانما تقسرنا لان نجاري بحثها هي فينتهي بنا الحال امام صلابة ادائها بالاستسلام والبقاء مع اعمالها في منطقة محايدة.
ان العلاقة بين العالم والرمز لدي زينب عبد الكريم ليست علاقة ندية بل علاقة تابع ومتبوع ولذا يبدو فضاء اللوحة عبارة عن مساحة لونية تتلقي رموز زينب بدون رد فعل يتجاوز خلق صدي وظل لتلك الايقونات المرسومة علي القماشة وربما يفسر شح مفردات القماشة لدي الفنانة التي تبدو غير معنية بما هو خارج هذه الرؤية، وهذا الشح تعكس وحشته عالمها ووحدة الاحساس الذي تخلقه لدي المتلقي وهو يواجه ايقاعا رؤيويا حادا غير ميال للتنوع والتلون ان ذلك يشف بصرامة في المعالجة وثقة في الاسلوب، اذ ان الفنان يجازف في اختصار معالم حياته في مفردة محددة ترسل رسالة واضحة. ان اعمال زينب عبد الكريم تجعلنا نقف امام انسان متوحد يحاور وحده رموزه من خلال مراة طفولته وهي بذلك لا تبتعد عن عالم العديد من الاعمال الفنية العراقية التي تنتمي الي الوحدة ِِ والاغتراب.

ي العراقي، من الفترة من الثاني عشر لغاية الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 والذي ستنظمه منظمة اليونسكو في باريس يفتتح معرضان تشكيليان عراقيان. وسيكون المعرض الاول تكريمياً للفنان الراحل شاكر حسن ال سعيد، وسيعرض فيه 38 عملا فنيا، تمثل جميع مراحل نتاجه الابداعي علي مدي نصف قرن، وذلك في صالة Actes في قصر اليونسكو. اما المعرض الثاني فسيكون ً جماعيا بعنوان (فنانون عراقيون من الربع الاخير للقرن الماضي) سيشارك فيه 15 رساماً و 8 نحاتون وسيشارك كل فنان بعملين، وبمجموع 46 عمل فني بين اعمال رسم ونحت، وذلك في صالة (Miro1 الكبري). وسيشارك في المعرض فاخر محمدــ هناء مال الله ــ عامر خليل ــ كريم رسن ــ هاشم حنون ــ محمود العبيدي ــ حيدر خالد ــ كاظم نوير ــ احمد البحراني ــ ضياء الخزاعي ــ ستار كاووش ــ طه وهيب ــ عبد الكريم خليل ــ رضا فرحان ــ نجم القيسي ــ شداد عبد القهار ــ عبد الكريم السعدون ــ حيدر علي ــ احمد الصافي ــ معتصم الكبيسي ــ زينب عبد الكريم ــ سيروان باران ــ محمد سامي.
وتجدر الاشارة الي ان هاذين المعرضين هما خلاصة جهود ادارة صالة أثر في بغداد، بعد معرض (بغداد ــ باريس) بمتحف مونبرناس في باريس 2005ــ2006.

المصدر: جريدة الزمان