الناقد التشكيلي محمد الجزائري

 

 (زينـب عـبد الكـريـم)

 

                                                             ” حاولت أن أستـخلـص المعـنـى الحقـيـقـي لحـياتـي ،

                            لكـنـي لـم أدركـهــا “

                                                                                                     فـنسنـت فـان كــوخ

 

                تتبدى كائنات زينب عبد الكريم ،والنساء بخاصة ، كأنهن يخرجن من طبقات  أوابد سوريالية وحفريات، ثمة تداخل ً بين ظلال الشيء وجوهره، الأفق والعمودي، كأن زينب تؤبد جسد المرأة وتغربها مثل السلويت تتركها بلا ملامح، بخاصة الوجه غالباً، لكنها تــُشغـل مع الجسد كائنا ً مجاورا ً غزالة  أو رجلا ً بانحناءة مثل فزاعة أو كاهنا ً أو ايما شكل تقترحه رؤيتك، ،فثمة تعدد قراءة دائما ً لنصها البصري، لا لأنه مبهم، لكن لأن الشخص مغترب داخل بنية اللوحة، بل هو بنية اغترابية لا تبسط الشكل .

 لا أتحدث عن شكل تلك النسوة البسيط الواضح، بل عن نساء الظل في التقـنية التخريمية، كأن زينب تقدم ظلالا ً محفورة أو منحوتة ذات تضاريس على الورق لكائنات من زخرفة حديد، كائنات قادمة من عصور غرائبية باردة، ترى هل وصلت حالة التغريب لدى الإنسان لأن يتأوبد ويتحول أثرا ً ؟ هل هو ميتا – حضور باتجاه الإزاحة برغم كتليته المنظورة فهو فراغ، كأنه عكس الإغتراب الذي يلخصه (هيغل) بقوله:” أن الفن هو محاولة للقضاء على حالة الإغتراب” إذ تذهب زينب إلى صور تعمق الإغتراب، نعم  ربما يحتاج “الإنسان في الفن ليضاعف نفسه كي يرى إلى ذاته الحقيقية تأخذ موضعها في عمل خارجي يتيح له أن يسلب العالم الخارجي من غربته ويتمتع في شكل الأشياء وينسقها في حقيقة خارجة عن نفسه” لكن زينب تشتغل في منطقة ملتبسة يتحول فيها الإنسان إلى ” شيء”، كائن مبهم، كأن التصوير لايعبر عندها عن الحرية والإنسانية وتحقيق الذات، بل يوقفها.

قد تكون زينب أقرب إلى المفهوم الفرويدي الذي يرى تعارضا ًبين الإنسان والحضارة، فالحضارة تأسست بفضل جهود الإنسان دفاعا ًعن ذاته، دفاعا ًضد عدوان الطبيعة ومخاطرها، لكن الحضارة جاءت على نحو يتعارض وتحقيق أهداف الفرد ورغائبه، وهذا ما يولد لديه الإحساس بعدم الرضا والإغتراب من ثم عن ذاته وعن الآخر في آن…

كان (ماركس) قد وضع الإغتراب في إطار اجتماعي أكثر تحديدا ً، فنظر إليه باعتباره أثرا ً سلبيا للتنظيم الكامن في الحياة الإجتماعية وعلاقات الإنتاج غير السوية، فالعامل في ظل الحضارة الصناعية الحديثة يغترب عن ناتج عمله الذي يذهب لحساب الآخر المستغل .

بهذه المعاني لن يتخلص الفنان من شعور الإغتراب هذا، بما أن ثمة فجوة بين ماهو عليه الآن وما ينبغي أن يكون، وإن كان البعض يظن أنه اغتراب مؤقت ذو خاصية إيجابية تدفع الفنان إلى الحركة والفعل الإبداعي المستمر.

هنا أتكلم ليس عن الفنان بذاته مستقلا ً عن إنتاجه، بل عن إنتاجه الذي يجسد غربته ، بخاصة في أعمال زينب عبد الكريم، لأنها إبنة وطن على أرضه مرت قذائف الهول الأعظم والدمار الأعظم في النفوس والبشروالأمكنة الأليفة والحلم، أي خربت مجمل الأنساق والبنيات من التحتية صعودا  إلى انهيار القيم والأعراف.   

ما الحال الذي تقدمه اللوحات، ذات الحبكة الغرافية- التخريمية – والبنيات المتعددة (تضادات الفراغ والكتلة، التعرية والتراكم)، كأن الكائن الذي في داخل اللوحة قد شيدت عليه أكثر من طبقة، وأن تواصله مقطوع مع الآخر، فلا زهو، إذا ً في الألوان واللوحات تنغمر تحت طبقة  الرماد، المجازي  المكلل بالسواد أو كناية الزرقة الحزينة، ربما تتشظى بقع بنية ودوائر فتحة ، هنا أو هناك، لأن تكنيكها يتلخص في نحت الرسم لدفع النماذج كي تظهر كتلويتها وتمفصلات علاقاتها كما لوكانت منحوتات ملصقة على السطح (ريليف) أو حفريات بالمقلوب (نيكاتيف)، عدا عن تلك الأشكال (الصناعية) كالدوائر والحفر والفراغات والقطوعات الحادة، كتل كأنها مركبات فضائية من أفلام الخيال العلمي تحطمت في محيط  منجمد ناء، فصارت أشباح أمكنة خيالية، طائفة مثل جبال جليد في فضاءعزلتها المعدنية الباردة تلك.

هل تلك ميزة ؟

أو رجل وامرأة داخل سورة الماء كأنهما جزء من أثر غائر  يفصل بين أفق المسطح المائي والأعماق السفلى ، أوفيليا تغرق، ربما يلحق هاملت بمن يحب أيضا، أو روميو وجوليت  على طريقة زينب في التصور، يجمعهما قبر مائي، بتقنية  تعطي للملمس (البصري) تضاريسية ، كأنه ملمس مادي، مع موجات كهرومغناطسية (بصرية) أيضا ً، كأن الشكل بات اثرا ًمنحوتاً مزدحما ً بالحزوزأوالتيارات المائية، هنا لعب على المجاز البصري، المتخيل، ليس شبيه الواقع، بل من لعبه، هو أيضا ً حالة تغريب، حتى في (شكل) الموت والمدفن المائي، ..تعبيرية تجريدية وألوان زرق وصفراء عشبية.

نعم ذلك طبيعي لجيل تميز بحساسيته المفرطة، ترعرع وسط الأزمات والخيبات والحروب والحصار ثم الإحتلال، ولم يبق أمامه ما لم يـُر، حتى السرور الصعب الشحيح في الأيام الجدب، فكيف يتكون؟ هل نطالبه بقوس قزح ملفق، وألوان أكثرمما رأى في سواد الجنائز المعلقة ويافطات العزاء وصور المغدورين والمفقودين والشهداء؟ هل نريد منه تفاؤلا ًغاب قبل أن يجيء؟ ولد، بل مات قبل موته بنصف قرن؟

ربما يتساءل البعض:وأي اغتراب؟ فثمة اغترابات؟ وتأويلات مستحدثة للإغتراب؟ تماما ً مثل تعريفات الحداثة والثـقافة ؟ ألم أقل أن الأمر ملتبس جدا ً..

هذ صحيح وحق، ربما تنتمي أعمال زينب عبد الكريم لمفهوم الفئة الثالثة من الإغتراب وتداعياته، إذا افترضنا أن المفهوم الأول يتلخص(بانتزاع ما نملك) بمعنى:(جعل شيء ما ملكية لآخر!).

والمفهوم الإستخدامي الثاني طبي:(الإضطراب العقلي)، فالمجنون مغترب، والمنفصل أيضا، المهمش والمزاح، والمضطهد، والمغدور والمخدوع أيضا، والمتوالية لاتنتهي بخاصة ونحن نعيش شيزوفرينيا الزمن، أوعصر الشيزوفرينيا !!.. وما عالمنا إلا قرية شيزوفرينية صغيرة تصيب عدواها إلكترونيا ً، وتبث خدعها بل زيادة في الخداع وزيادة في غربتنا إزاء كم المعارف والمعلومات المتدفقة سمتيا ً لتحتل عقولنا  قبل أرضنا وتحرفها باتجاه هدف المرسل، وشعوبنا في الغالب متلقية أكثر منها منتجة أفكار.. فهي مغيبة بالطول وبالعرض ومشزفرنة!

اما المفهوم الثالث للإغتراب الذي نجد مقارباته في لوحات  زينب، كما نجتهد، فهو(معنى الغربة بين البشر) أي فقدان الألفة أو حدوث انفصال في العلاقات الودية بين الأشخاص والمؤسسات والعقائد أيضاً، وهو الحالة التي يعيشها العراق بكامله الآن، وتمثلها تلك الثثنائية العاشقة المتحدة بالموت المتباعدة في الشفاه، رمز الحياة، بلوحة زينب المائية!

أما في مجال الفن فيعني الإغتراب انفصال الفنان عن ذاته أولا ً، إذ يمكن أن يصطنع الفنان ذاتا ً زائفة لنفسه بفعل ضغوط المجتمع وبتأثيرأعرافه وتقاليده ونواميسه، والفنان لايشرعن حاله على هواه حين يُعامل كما لوكان (شيئا ً) كأنه تحول إلى (موضوع) وفنه محض (سلعة)، وفقد هويته، إذ ذاك يشعر أيضا ًبالإغتراب!

يضاف لذلك شعور الفنان بعدم الميل لإقامة علاقات تواصلية مع الآخر: المجتمع، حيث يطاله ملل من كل شيء حيث تــتسع الهوة بين أهداف المجتمع المادية وتتبدل المعاييروالقيم التي تـتـقاطع ومتطلبات الفنان وقيمه.

وحين تصبح الحياة بلا جدوى ولاقيمة لها والموت المجاني العبثي يعصف بالجميع قد يطال الفنان وأي عالم أو مواطن كادح وطفل، والكل بريء، تغدو الحياة تافه وتصبح بلا معنى ولا أمل، ما يدفع الفنان وهو محب للخير والحياة والجمال بطبعه، للبحث عن وجود بديل نبيل في اليوتوبيا،أوفي الهجرة والشتات، أو في التمرد، ما يدفعه للبحث عن جماعات ذات قيمة وقيم تمنحه الشعور بالإنتماء والأمان النفسي والإمتلاء الوجداني والهوية والإستقلالية.

هذه الشبكة من المعايير والأنساق تمثـلتها الفنانة زينب في جوهر ما سعت للتعبير عنه وحيث انتدبت نفسها إلى عوالمه في لوحاتها، إذ يرى (ماي May) إلى أن الفنانين يحتضنون مجموعة من القيم ليست على وئام مع القيم السائدة في المجتمع، ما يجعلهم في حالة غربة وقلق، ولذا فالفن الحديث بات أكثر تجريدا ًلأن الفنان المعاصرأضحى بالتبعية أكثراغترابا ًعن ذاته ومجتمعه بحسب (هلبيك)، وأظن ذلك صحيح إلى حد كبير في لوحات زينب عبد الكريم ، فأبطال لوحاتها كلهم  هاملتيون!

وكلنا يقـلـقـنا سؤال شكسبير: نكون أو لا نكون، تلك  هي المسألة!

إذا ً صرنا كلنا، كلنا، في الإغتراب، هاملت!!

                             محمد الجزائري